تقرير عن خطبة الجمعة: الحرص التام على احترام اختيارات الأمة والقوانين المنظمة للحياة (21 جمادى الآخرة 1447 هـ / 12 ديسمبر 2025)
في يوم الجمعة الموافق 21 جمادى الآخرة 1447 هـ، والموافق لـ12 ديسمبر 2025 م، تناولت خطبة الجمعة موضوعًا مهمًا من موضوعات الدين والحياة، وهو: الحرص التام على احترام اختيارات الأمة والقوانين المنظمة للحياة. وجاءت هذه الخطبة امتدادًا لسلسلة من الخطب التي تُبَيِّنُ حقيقة الدين الصحيح، وعلاقته بالفرد والجماعة، وبناء المجتمع على أسسٍ من العدل، والنظام، واحترام المسؤولية المشتركة.
ولمن فاته الاطلاع على تقرير الخطبة السابقة حول التحسيس بمخاطر العنف ضد النساء، فيمكنه قراءته من خلال الرابط التالي: من هنا: التحسيس بمخاطر العنف ضد النساء.
أولًا: الدين يهتم بالفرد والجماعة معًا
ذكّر الخطيب في مقدمة الخطبة بأنَّ حقيقة الدين لا تنحصر في جانب التعبد الفردي فقط، بل تشمل أيضًا تنظيم علاقة الفرد بالجماعة والوطن، وأن همَّ الفرد وهمَّ الأمة متلازمان لا ينفصلان. وقد سبقت الإشارة في خطب سابقة إلى:
- وجوب الالتزام بالجماعة واتباع إمامها.
- حب الوطن، وخدمته، ورعاية مصالحه العليا.
- التمسك بثوابت الأمة، والسير في رِكاب وليّ الأمر؛ جمعًا للكلمة وتوحيدًا للصف.
وبيّن الخطيب أن هذا المنهج يحقق للأمة الاستقرار، ويُحَصِّنُها من الفتن والشذوذ الفكري والسلوكي، ويحفظ مصالحها في الحاضر والمستقبل.
ثانيًا: احترام القوانين المنظمة للحياة من صميم الشريعة
انتقل الخطيب بعد ذلك إلى الحديث عن وجوب احترام القوانين المنظمة للحياة، واحترام اختيارات الأمة في شأنها العام، مبينًا أن هذه القوانين ليست غريبة عن روح الشريعة، بل هي امتداد لمقاصدها، ما دامت تحقق العدل، وتحفظ الحقوق، وتدفع الفساد.
واستشهد الخطيب بقول النبي ﷺ: «المسلمون عند شروطهم»، مبينًا أن معنى الحديث هو وجوب وفاء المسلمين بما تعاهدوا عليه من شروط وعقود، في المعاملات، والعهود، والمواثيق، وأن هذا الأصل النبوي يشكل قاعدة أساسية في بناء الأنظمة والقوانين العادلة.
ثالثًا: العقد الاجتماعي والقانون في ضوء المقاصد الشرعية
أوضح الخطيب أن من أهم ما يُعرف اليوم في علم السياسة والفقه المعاصر باسم العقد الاجتماعي؛ وهو الرابط الذي يَصِلُ بين الدولة والمجتمع، ويتفرع عنه سائر الحقوق والواجبات التي تُصاغ في القوانين المنظمة للحياة العامة.
وبيّن أن هذه القوانين في حقيقتها ليست منفصلة عن الشريعة، بل هي أحكام فقهية مستنبطة من أصول متنوعة في الفقه الإسلامي، صيغت في قوالب قانونية لحماية ما يُعرف في الشريعة بـالضروريات الخمس:
- حفظ الدين
- حفظ النفس
- حفظ العقل
- حفظ العرض
- حفظ المال
فكل نص قانوني يحفظ أمرًا جزئيًا من هذه الضروريات، من قريب أو من بعيد، وبأي درجة، فهو داخل في مقاصد الشريعة، وإن جاء في صيغة قانونية معاصرة. فالعبرة بالمضمون والمقصد، لا بمجرد الشكل أو طريقة الصياغة.
رابعًا: الاستفادة من تجارب الأمم مع الحفاظ على ثوابت الشريعة
استعرض الخطيب جانبًا من التاريخ الإسلامي، موضحًا كيف أن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم استفادوا من تجارب الأمم الأخرى، كالفرس والروم، في تدبير الشأن العام وتنظيم الدولة، ما دام ذلك لا يناقض نصوص الشريعة ولا يعتدي على ثوابتها.
وعبر دراسة السياسة الشرعية في تاريخ الأمة، يتبين أن المسلمين لم يغلقوا باب الاستفادة من النظم والتجارب الإدارية والقانونية النافعة، بل اقتبسوا منها ما يوافق الشريعة، وجعلوها وسيلة لخدمة العدل وحفظ المصالح.
خامسًا: احترام القوانين اليوم عبادة ومسؤولية
انتهى الخطيب إلى أن القوانين التي تصدرها الدولة اليوم لتنظيم شؤون الحياة، ما دامت تهدف إلى حفظ الأمن، ودفع الفتنة، وتيسير مصالح الناس، ورفع الحرج عنهم، فهي من المصالح المعتبرة شرعًا، التي يجب احترامها والالتزام بها.
والتدين الصحيح لا ينحصر في الصلاة والصيام فقط، بل يشمل كذلك احترام النظام العام، وعدم الإضرار بالآخرين، والتزام الأنظمة التي تحفظ الأرواح والأموال والحقوق، وتجعل المجتمع أكثر استقرارًا ورقيًّا.
سادسًا: مثال تطبيقي – قوانين السير وحفظ الأنفس
لتقريب الصورة، ضرب الخطيب مثالًا عمليًا من واقع الناس اليوم، وهو قوانين السير، وما تفرضه من احترام إشارات المرور، والسرعة المحددة، وقواعد الطريق. فهذه القوانين وُضعت لحماية الأنفس والأموال، وحفظ الأعراض، ومنع وقوع الحوادث المدمرة.
وبيّن أن كفَّ الأذى عن الناس من أعظم القربات، ولا أذى أشد من إزهاق الأرواح، وترمل الزوجات، وتيتيم الأبناء، وإضاعة الأموال، بسبب تهوّر أو استهتار بعض السائقين الذين يتساهلون في تطبيق قوانين السير، ويظنون أن مخالفتها أمر عادي لا علاقة له بالتدين.
وأكد الخطيب أن هذا الفهم خاطئ؛ لأن احترام قوانين السير نوع من تطبيق الشريعة في الواقع، إذ الشريعة جاءت لحفظ الأنفس والحقوق، وأي سلوك يؤدي إلى إزهاق الأرواح أو الإضرار بالناس يناقض مقاصدها ويناقض حقيقة التدين.
سابعًا: ثمار احترام القوانين على الفرد والمجتمع
لفت الخطيب النظر إلى أن احترام القوانين المنظمة للحياة يثمر فوائد عظيمة، من أهمها:
- حماية أرواح الناس من الحوادث والكوارث الناجمة عن الفوضى.
- الحفاظ على الأموال والممتلكات الخاصة والعامة.
- تخفيف الأعباء النفسية والاجتماعية والاقتصادية عن الأسر والمجتمع.
- إشاعة روح الانضباط والمسؤولية، ورفع مستوى الوعي الحضاري.
وبذلك يظهر أن الالتزام بالقوانين سِياجٌ للأمن، وضمانةٌ للسلامة، ومظهرٌ من مظاهر رقيّ المجتمع، وليس مجرد التزام شكلي أو خوف من العقوبة.
خاتمة: التدين الصحيح يجمع بين العبادة واحترام النظام
اختُتمت الخطبة بالتأكيد على أن التدين الحق يجمع بين العبادة القلبية والجوارحية من صلاة وصيام وذكر، وبين الالتزام العملي بأحكام الشريعة ومقاصدها في واقع الحياة، ومن ذلك احترام اختيارات الأمة، وثوابتها، وقوانينها المنظمة لشؤونها.
ودعا الخطيب في نهاية الخطبة بأن يجعل الله هذا البلد آمنًا مطمئنًا، وسائر بلاد المسلمين، وأن يجمع شمل الأمة على الحق، ويرفع عنها الفتن والاضطرابات، وأن يوفق ولاة الأمور لما فيه صلاح العباد والبلاد، وأن يرزق الناس الحياة الطيبة التي وعد الله بها من عمل صالحًا وهو مؤمن، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
كلمات مفتاحية
خطبة الجمعة، احترام القوانين، اختيارات الأمة، العقد الاجتماعي، السياسة الشرعية، القوانين المنظمة للحياة، مقاصد الشريعة، الضروريات الخمس، قوانين السير، التدين الصحيح.


0 تعليقات
أهلا بك في موقع عُمان التعليمية - نرحب بنشر تعليقاتك البناءة و مساهماتك الطيبة - دائما نستمع بإهتمام لطلباتكم وآرائكم .. بالتوفيق