المحور الثاني : خصائص النَّمَط القُرآني
يقع القرآن الكريم في ١١٤ سورة، والسور عموماً على نوعين: مكي ومدني.
أ) الآيات المكيّة :
يجري الكلام فيها غالباً بفقرات قصيرة ومتناسقة مع مرحلة الدعوة وهي في بدايتها، فيتوالى في كثير من السور المكية القَسَم الشديد الوَقع مثل قوله تعالى:
﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا
فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴾
(سورة النازعات: ١–٥)
أو الجُمَلُ المصدَّرة بـ (إذا) الشرطية، كقوله تعالى:
﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ
سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾
(سورة التكوير: ١–٥)
ب) الآيات المدنيّة :
تميل الآيات المدنية إلى الأسلوب الجدلي التشريعي، ففي المدينة وُضِعَت أنظمة الحياة الإسلامية، وفيها احتكّ الإسلام بأهل الكتاب، وكان لا بدّ من أخذهم بالحجّة وإظهار ضلالهم بالدليل أحياناً وبالتشريع أحياناً أخرى.
وهذا الاختلاف بين أسلوب الآيات المكيّة الأولى وأسلوب الآيات المدنيّة إنما هو راجع بالأكثر إلى مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
ومثال هذا الأسلوب في الآيات المدنيّة:
﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ
الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ
تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
(آل عمران ١٩–٢٠)
وعند المقارنة بين الآيات المكيّة القديمة والآيات المدنيّة لا نجد فرقًا لا من حيث التركيب البياني، ولكن من حيث حرارة العبارة. وقد تبيّن عند العديد من علماء اللغة القدامى هذا الفرق، من أمثال: أبي هلال العسكري، أو الصولي، أو ابن قتيبة الذي يقول:
"وهذا (أي الإيجاز) ليس بمحسود في كل موضع… ولو كان الإيجاز محموداً في كل الأحوال لجرده الله في القرآن، ولم يفعل ذلك ولكنه أطال تارة للتوكيد، وحذف تارة للإيجاز، وكرر تارة للإفهام." (أدب الكاتب، ص ٩)
بلاغة القرآن الكريم
من البديع الإلمام بكل ضروب بلاغة القرآن الكريم، ففي بلاغته وضعت كتب كثيرة. لكن نشير إلى أربعة أنواع منها:
أ) الإحكام ودقة الإشارة :
والمقصود إحكام الإنشاء، بحيث لا يضعف لحذف أو ذكر أو تقديم أو تأخير. ودقة الإشارة هي الإيجاز أو عرض المعنى بأقل ما يكون من الألفاظ، كقوله تعالى:
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾
(الزمر ١٩–٢٣)
وانظر غيرها من الآيات لتفهم ما نقصده بإحكام العبارة ودقة الإشارة. مثال: سورة النمل ٨–٩، ٥٩–٦٥، والرعد ١٦–٢٨، إلخ.
ب) حسن الإيقاع :
ويُراد به رصف الكلام رصفًا متناسب الأجزاء، ويحصل من تلاؤم الألفاظ والعبارات تلاؤمًا ترتاح إليه النفوس. والقرآن مليء بهذا الفن سواء كان ذلك في فواصل الآيات أو انسجام الألفاظ. فهو نموذج في النثر، ويكثر في تركيبه الإنشائي التقيّد على المثنيات والصفات على الموصوفات.
ومن أمثلة ذلك:
﴿ فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ﴾
(النجم ٢٥)
﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدْتُّمْ عُدْنَا ﴾
(الإسراء ١٣)
﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴾
(طه ٦٧)
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾
(البقرة ٢)
﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
(يوسف ٩٠)
من صور حسن الإيقاع:
- تقديم ما هو مؤخّر في الزمان، نحو:
﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ - تقديم الصفة قبل الصفة المفردة.
- تقديم الضمير على ما يفسّره.
- العدول عن الماضي إلى الحاضر.
- إجراء غير العاقل مجرى العاقل، مثل قوله تعالى:
﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾
ج) روعة الانتقال :
ويراد بها العدول من معنى إلى معنى، وأكثر ما يكون ذلك فيما يطلق عليه العلماء اسم الالتفات، وهو الخروج من صيغة إلى صيغة.
مثل قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى… أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾
(البقرة ١٥٩)
فقد انتقل النص من الخبر إلى السؤال ثم إلى الأمر، فزاد ذلك من تأثير الكلام. والنهاية من الانتقال تكون بخصوصية بلاغية كالتعظيم، أو التحقير، أو التوكيد، أو الإيضاح.
د) جمال التمثيل :
ويراد به تفسير المعاني المُجرّدة بالصور المشاهدة. والأمثال نوعان:
1) التمثيل الظاهر:
ويكون على سبيل التشبيه، كقوله تعالى:
﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾
(البقرة ١٧)
وقد يكون أيضًا على سبيل القصص، وهو كثير في القرآن.
2) الحكم:
ومن التمثيل القرآني ما يُضرب أمثالًا تُرسل إلى الناس حكمًا بليغة، وهي كثيرة، مثل:
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
(آل عمران ٩٢)
﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ﴾
(هود ٨١)
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾
(البقرة ٢٨٦)
وليس ما ذُكر إلا قطرة من بحر عجائب بلاغة القرآن.
أسئلة النقاش – نسخة مبسّطة مع الإجابة
-
استخرج خصائص أسلوب القرآن الكريم:
- أ- في الآيات المكية: قوة في التعبير – التركيز على العقيدة – قصر الجمل – الإيقاع السريع.
- ب- في الآيات المدنية: تفصيل الأحكام – أسلوب هادئ – مخاطبة المجتمع – جمل أطول.
الإجابة: الآيات المكية تمتاز بقوة البيان والإيقاع وتركّز على التوحيد، بينما الآيات المدنية تُعنى بالشرائع والأحكام وتستخدم أسلوبًا تفصيليًا.
-
ما سبب الاختلاف بين الأسلوب المكي والمدني؟
الإجابة: لاختلاف الجمهور المخاطَب؛ فالمكي يخاطب المشركين لبناء العقيدة، والمدني يخاطب المسلمين لتعليمهم الأحكام وتنظيم حياتهم.
-
اذكر أربع خصائص بلاغية في القرآن الكريم.
الإجابة:
- جمال التصوير.
- الإيجاز مع الإعجاز.
- الإيقاع الموسيقي.
- دقة اختيار الألفاظ.
-
استدل على كل خاصية بآية مناسبة:
- جمال التصوير: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾
- الإيجاز: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
- الإيقاع: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
- دقة الألفاظ: ﴿وَغَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾
ملخص درس خصائص النثر القرآني – الصف الحادي عشر
يمتاز النثر القرآني بجماليات بلاغية ولغوية فريدة في الأسلوب والبناء والصور البيانية، وتظهر هذه الجماليات في اختلاف أسلوب الآيات المكية والمدنية، وفي عدد من الخصائص البلاغية المميِّزة.
أولاً: خصائص أسلوب الآيات المكية
- قِصَر الآيات وتركيبها السريع المتتابع.
- التركيز على العقيدة والتوحيد والبعث والنشور.
- كثرة القَسَم لإثارة الانتباه وترسيخ الإيمان.
- استخدام الجمل الشرطية والتعابير التي تحمل وعيدًا أو تهديدًا للكافرين.
- وجود إيقاع قوي مؤثّر يلامس النفس ويجذب السامع.
ثانيًا: خصائص أسلوب الآيات المدنية
- طول الآيات نسبيًّا وتركيبها التفصيلي.
- غلبة الأسلوب التشريعي ووضع الأحكام والحدود وتنظيم العلاقات.
- الاستدلال بالحجّة والمنطق في مخاطبة أهل الكتاب والمخالفين.
- أسلوب الإقناع والتوجيه والتأكيد على قيم الأخلاق والعدل.
- تناول قضايا المجتمع من عبادات ومعاملات وزواج وحدود وغيرها.
سبب الاختلاف بين الأسلوب المكي والمدني
- اختلاف مرحلة الدعوة (بداية التوحيد في مكة مقابل بناء الدولة في المدينة).
- اختلاف طبيعة المخاطَبين (مشركون في مكة – مجتمع مسلم وأهل كتاب في المدينة).
- اختلاف المقاصد:
- في مكة: تثبيت العقيدة وترسيخ الإيمان.
- في المدينة: تنظيم حياة المسلمين وبناء المجتمع والدولة.
خصائص البلاغة في القرآن الكريم
1- الإحكام ودقة الإشارة
كل لفظ في القرآن موضوع في مكانه بميزان محكم، وتأتي الإشارة موجزة وقليلة الألفاظ لكنها تؤدّي المعنى بدقّة وبلاغة، فتختصر المعنى الكبير في عبارة قصيرة واضحة.
2- حسن الإيقاع
يظهر في تناسق الألفاظ وتوازن العبارات وانسجام المقاطع، فينشأ عن ذلك إيقاع موسيقي مؤثّر يجذب السامع ويُثبّت المعنى في النفس، ويظهر في الفواصل وتقديم بعض الكلمات وتأخيرها.
3- روعة الانتقال
انتقال النص من معنى إلى آخر أو من أسلوب لأسلوب (خبر، استفهام، أمر، نهي) بطريقة سلسة محكمة، ويكون لهذا الانتقال وظيفة بلاغية مثل التوضيح أو التوكيد أو زيادة التأثير في السامع.
4- جمال التمثيل
استخدام التشبيه والتمثيل لشرح المعاني المجردة بصور محسوسة قريبة من الفهم، سواء في مشاهد ظاهرة أو في قصص وحِكَمٍ تُضرب أمثالًا للناس؛ مما يقرّب المعنى ويثبّته في الذهن.
أسئلة سريعة مع إجابات نموذجية
س1: ما خصائص الأسلوب في الآيات المكية؟
ج: قصر الآيات، سرعة الإيقاع، كثرة القسم، التركيز على العقيدة.
س2: ما خصائص الأسلوب في الآيات المدنية؟
ج: طول الآيات، الأسلوب التشريعي، الاستدلال بالحجة، معالجة قضايا المجتمع.
س3: اذكر أربع خصائص بلاغية للقرآن الكريم.
ج: الإحكام ودقة الإشارة، حسن الإيقاع، روعة الانتقال، جمال التمثيل.



0 تعليقات
أهلا بك في موقع عُمان التعليمية - نرحب بنشر تعليقاتك البناءة و مساهماتك الطيبة - دائما نستمع بإهتمام لطلباتكم وآرائكم .. بالتوفيق